في كثير من المدن التي دخلت في ظل الفتح الإسلامي طوعياً، جرى هذا التحوّل في ظل شروط سمحة، أتاحت للسكان الاحتفاظ بممتلكاتهم ومواصلة ممارسة ثقافاتهم ودياناتهم. وبحلول القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، كان معظم السكان المستقرين قد اعتنقوا الإسلام.
وقد مهّد هذا التحول لقيام إمبراطوريات وسلالات متعاقبة، أسهمت كل منها في تطور المنطقة. كما استلزمت النظم الإدارية الجديدة تشييد أنماط جديدة من المباني الضخمة، كالمساجد والمدارس والأضرحة. ولم تكن هذه الفضاءات رموزاً للتحول في الحكم فحسب، بل أعادت أيضاً تشكيل النسيج الحضري والمعماري للمنطقة.
هيمنت العمارة المبنية بالطين والآجر على المشهد العمراني التاريخي في أوزبكستان، ولا تزال تثير إعجاب الزوار حتى اليوم. وقد ألهمت مبادئ هذه العمارة الإسلامية تصاميم حداثية في القرن العشرين.
الفاتحون والرعاة
يرى المؤرخون أن أراضي أوزبكستان شهدت "نهضة إسلامية" مرتين: الأولى في ظل الدولة السامانية في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، والثانية في القرون الثامن إلى العاشر الهجرية/ الرابع عشر–الخامس عشر الميلادية في ظل التيموريين. فقد حكم السامانيون باسم الخلافة في بغداد، وحوّلوا بخارى وسمرقند إلى مركزين مزدهرين للتجارة والعلم والثقافة، وقد جذبتا الشعراء والعلماء والمفكرين من الأقاليم الأخرى.
ومع تفكك الإمبراطورية المغولية في القرنين السابع–الثامن الهجريين/ الثالث عشر–الرابع عشر الميلاديين، برز تيمورلنك الذي حوّل هاتين المدينتين إلى رموز ساطعة للقوة الإسلامية والإنجاز الثقافي في ما وراء النهر.
مدن الأرض
كانت المواد الطينية هي الغالبة في تشييد المعالم المعمارية الضخمة في أوزبكستان، نظراً لندرة الحجر والخشب في المنطقة. وكانت المباني تُنشأ بنواة من الطين، ثم تُكسى بطبقات من الآجر والبلاط. وقد دفعت محدودية المواد المتاحة إلى قدر كبير من الابتكار؛ فتنويع ترتيب الآجر المزجّج وغير المزجّج، وتدويره، وتغيير المسافات بين وحداته، أتاح ابتكار أنماط زخرفية دقيقة ومتنوعة. كما استُخدم الآجر في تشكيل كتابات خطية تضم آيات قرآنية، وعبارات إيمانية، وعبارات ولاء للحكّام.
تأسست هذه التقاليد المعمارية في ظل الدولة السامانية، واستمرت في العصر التيموري وصولاً إلى بدايات العصر الحديث، ولا تزال تقنياتها موضع عناية حتى اليوم. ولا يزال عدد من المعالم التاريخية البارزة قائماً، وقد أُعيد ترميمه ليستعيد رونقه السابق بفضل جهود الترميم الحكومية في أواخر القرن العشرين. ومن أبرز هذه المعالم ضريح الأسرة السامانية في بخارى، ومسجد بيبي خانم في سمرقند.
العمارة الجنائزية
من بين الأشكال المعمارية الجديدة التي تطوّرت في ظل الإسلام، يُعدّ الضريح أكثرها تعبيراً عن خصوصية آسيا الوسطى الإسلامية. وكثيراً ما تضم الأضرحة شواهد رمزية أو توابيت غير مدفونة، تُعرف باسم "القبور الخالية"، لتكون علامات دالّة على موضع الدفن، بينما يرقد المتوفى في الأرض أسفلها.
وتُعدّ مقبرة شاه زنده، أي "الملك الحي"، في سمرقند من أبرز هذه المواقع؛ إذ تضم أكثر من عشرين مبنى، شُيّدت على مدى ثمانية قرون. وهي المثوى الأخير لعدد من أقارب تيمورلنك، إلى جانب شخصيات أخرى.
العمارة الحداثية
تعرّضت طشقند، عاصمة أوزبكستان، لدمار واسع جرّاء زلزال عام 1966. وفي إطار إعادة إعمارها، صُمّمت المدينة لتكون نموذجاً لعاصمة من آسيا الوسطى، تلتقي فيها الأيديولوجية الاشتراكية بالتقاليد المحلية.
استلهم المعماريون الحداثيون مبادئ التصميم الإسلامي التي ترسّخت عبر قرون سابقة، في تشكيل المباني الإدارية، ودور الفنون، والمؤسسات، والفنادق، وحتى بعض محطات مترو طشقند. في يوليو 2026، أدرجت اليونسكو عشرةً من هذه الصروح المعمارية البارزة على قائمة التراث العالمي، تحت عنوان "العمارة الحداثية في طشقند: الحداثة والتقاليد في آسيا الوسطى”.
معماريّو الفكر والصورة